محمد بن جرير الطبري

375

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

اليهود من قبيلة من اليهود يقال لهم بنو قينقاع كان يدعى رفاعة بن زيد بن السائب . قال أبو جعفر : هذا خطأ إنما هو ابن التابوت ليس ابن السائب ؛ كان يأتي النبي صلى الله عليه وسلم ، فإذا لقيه فكلمه فقال : أرعني سمعك واسمع غير مسمع . فكان المسلمون يحسبون أن الأَنبياء كانت تفخم بهذا ، فكان ناس منهم يقولون : اسمع غير مسمع ، كقولك اسمع غير صاغر ، وهي التي في النساء : مِنَ الَّذِينَ هادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنا وَعَصَيْنا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَراعِنا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْناً فِي الدِّينِ يقول : إنما يريد بقوله : طَعْناً فِي الدِّينِ . ثم تقدم إلى المؤمنين فقال : لا تقولوا راعنا . والصواب من القول في نهي الله جل ثناؤه المؤمنين أن يقولوا لنبيه : راعنا ، أن يقال إنها كلمة كرهها الله لهم أن يقولوها لنبيه صلى الله عليه وسلم ، نظير الذي ذكر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " لا تقولوا للعنب العنب الكرم ولكن قولوا الحبلة " ، و " لا تقولوا عبدي ولكن قولوا فتاي " وما أشبه ذلك من الكلمتين اللتين تكونان مستعملتين بمعنى واحد في كلام العرب ، فتأتي الكراهة أو النهي باستعمال إحداهما واختيار الأَخرى عليها في المخاطبات . فإن قال لنا قائل : فإنا قد علمنا معنى نهي النبي صلى الله عليه وسلم في العنب أن يقال له كرم ، وفي العبد أن يقال له عبد ، فما المعنى الذي في قوله : راعِنا حينئذ الذي من أجله كان النهي من الله جل ثناؤه للمؤمنين عن أن يقولوه ، حتى أمرهم أن يؤثروا قوله : انْظُرْنا ؟ قيل : الذي فيه من ذلك ، نظير الذي في قول القائل الكرم للعنب ، والعبد للمملوك ، وذلك أن قول القائل عبد ، لجميع عباد الله ، فكره للنبي صلى الله عليه وسلم أن يضاف بعض عباد الله ، بمعنى العبودية إلى غير الله ، وأمر أن يضاف ذلك إلى غيره بغير المعنى الذي يضاف إلى الله عز وجل ، فيقال : فتاي . وكذلك وجه نهيه في العنب أن يقال كرما خوفا من توهم وصفه بالكرم ، وإن كانت مسكنة ، فإن العرب قد تسكن بعض الحركات إذا تتابعت على نوع واحد ، فكره أن يتصف بذلك العنب . فكذلك نهى الله عز وجل المؤمنين أن يقولوا " راعنا " ، لما كان قول القائل " راعنا " محتملا أن يكون بمعنى احفظنا ونحفظك وارقبنا ونرقبك ، من قول العرب بعضهم لبعض : رعاك الله بمعنى حفظك الله وكلأَك . ومحتملا أن يكون بمعنى أرعنا سمعك ، من قولهم : أرعيت سمعي إرعاء . أو راعيته سمعي رعاء أو مراعاة ، بمعنى : فرغته لسماع كلامه . كما قال الأَعشى ميمون بن قيس : يرعى إلى قول سادات الرجال إذا * أبدوا له الحزم أو ما شاءه ابتدعا يعني بقوله " يرعى " : يصغي بسمعه إليه مفرغه لذلك . وكأن الله جل ثناؤه قد أمر المؤمنين بتوقير نبيه صلى الله عليه وسلم وتعظيمه ، حتى نهاهم جل ذكره فيما نهاهم عنه عن رفع أصواتهم فوق صوته وأن يجهروا له بالقول كجهر بعضهم لبعض وخوفهم على ذلك حبوط أعمالهم ، فتقدم إليهم بالزجر لهم عن أن يقولوا له من القول ما فيه جفاء ، وأمرهم أن يتخيروا لخطابه من الأَلفاظ أحسنها ، ومن المعاني أرقها ، فكان من ذلك قولهم : راعِنا لما فيه من احتمال معنى أرعنا نرعاك ، إذ كانت المفاعلة لا تكون إلا من اثنين ، كما يقول القائل : عاطنا وحادثنا وجالسنا ، بمعنى أفعل بنا ونفعل بك ، ومعنى أرعنا سمعك حتى نفهمك وتفهم عنا . فنهى الله تعالى ذكره أصحاب محمد أن يقولوا ذلك كذلك وأن يفردوا مسألته